فوزي آل سيف
5
فقه العلاقات الاجتماعية
وجاءت أصول عامة في المعاملات مثل ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ )[18]، و( لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ )[19] و (يوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ )[20]. ووجود هذه الأحكام ، والشريعة ليس من مختصات الدين الإسلامي كما قد يتوهم ، وإنما هي موجودة في سائر الديانات السماوية ، حيث أنها جاءت ـ في وقتها ـ لتنظيم حياة الإنسان الدينية على المستوى الفردي والاجتماعي ، فليس معقولا أن تغفل هذا الجانب .. نعم ربما كانت ظروف البشر الذين نزلت فيهم هذه الرسالة ، تحتاج إلى تركيز أخلاقي أكبر ، نظرا لأن مشكلتهم الكبرى هي في هذا الجانب ، وهذا لا مانع من الالتزام به . لكن لا يمكن تصور رسالة سماوية لا فقه فيها ، ولا تنظيم لحياة الإنسان .. وحتى ما يذكر في شأن المسيحية من غلبة الجانب الأخلاقي فليس معنى ذلك عدم وجود تشريعات وأحكام ، وإنما كان التركيز فيها على الجانب الأخلاقي ، وكانوا يعتمدون الأحكام الأساسية الواردة في التوراة ! وهذا الأمر ـ التركيز في جانب دون غيره مع ملاحظة وضع الزمان والمكان ـ هو الذي يليق بالحكمة الإلهية ، فالله الذي أراد من الإنسان أن يتكامل عبر برنامج الرسل ، وأن يكون في الأرض خليفة ، وأن يعمرها ، وأن يعبد ربه من خلال ذلك .. لا يعقل أن لا يلاحظ الوضع الخاص الذي يعيش فيه هذا المجتمع أو ذاك .. بل إن نفس الرسالات المتعددة قرينة على هذا الأمر ، حتى إذا تهيأ البشر لإمكانية تقبل رسالة عالمية واحدة بعث خاتم الأنبياء والمرسلين محمدا صلى الله عليه وآله . ولأجل هذا كانت رسالة الإسلام ، فيها كل تلك الإحاطة والشمول ، والتفصيل في المجالات الثلاثة .. تحريف الرسالات وحذف التعاليم : إذن .. الجوانب الثلاثة السابقة لابد أن تكون موجودة في كل الرسالات السماوية كما قلنا تبعاًُ لأن منبعها واحد وغايتها واحدة ، فلابد أن تكون المسافة بين المبدأ الواحد وبين الغاية الواحدة مسافة مشتركة . نعم قد يحصل في بعض الأزمنة تحريف لرسالة من الرسالات من قبل بعض رجال السلطة والقوة أو رجال المال بمعونة رجال الدين! والتحريف على قسمين : فقد يكون التحريف لفظيا بحيث يمس آيات الكتاب السماوي ونصوصه ..وبالتالي تتغير من خلال ذلك بعض العقائد أو النظم الأخلاقية أو الأحكام الفقهية والشرعية . ومن أمثلة ذلك الواضحة ما ذكروه في موضوع المجوسية ، فهناك كلام حول المجوسية وهل أنها دين سماوي أو أنها من جملة الشرائع الوضعية الدنيوية ولا ترتبط بالديانات السماوية ؟ يذهب الكثير من علماء الإمامية إلى أن المجوسية كانت في الأصل ديناً سماوياً كما هو مفاد رواية عن الإمام الصادق عليه السلام [21]، لكنه حُرّف على يد سلطان متجبر كان عندهم ، وبدأ الانحراف ـ كما تفيد رواية أخرى ـ في قضية نكاح المحارم الموجود عندهم حالياً . فقد ذكر
--> 18 ) المائدة: من الآية1 19 ) النساء: من الآية29 20 ) النساء: من الآية11 21 ) نقلها الشيخ الكليني في الكافي 3 / 568 : سئل أبو عبد الله الصادق عليه السلام عن المجوس أكان لهم نبي ؟ فقال : نعم أما بلغك كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أهل مكة أن أسلموا وإلا نابذتكم بحرب فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أن خذ منا الجزية ودعنا على عبادة الأوثان ، فكتب إليهم النبي صلى الله عليه وآله : أني لست آخذ الجزية إلا من أهل الكتاب فكتبوا إليه - يريدون بذلك تكذيبه - : زعمت أنك لا تأخذ الجزية إلا من أهل الكتاب ثم أخذت الجزية من مجوس هجر ؟ فكتب إليهم النبي صلى الله عليه وآله : أن المجوس كان لهم نبي فقتلوه وكتاب أحرقوه .. وقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام أن يسن بهم سنة أهل الكتاب .. ولعل الكثير من الفتاوى تنسجم مع هذا التشريك .